ابن الفارض
86
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
المحبّة ؛ ولا ينافي هذا التقسيم قولنا : الغيرة حمية المحب ؛ لأن المحب لا يغار على المحبوب إلا لكونه محبّ له ، وكذا نفس المحبة ؛ إذ اندمج فيها وصف المحبة ، واندرج جهة المحبوبة ، وصارت المحبة بين المحبّ والمحبوب كما ذكره ، لأنها تغار على المحبّ ؛ لكونها محبّة له . أما غيرة المحب ، فإمّا على تعلق محبوبه بالغير ، كغيرة إبليس على تكريم الحقّ سبحانه آدم - عليه السلام - حيث قال : ( أرأيتك هذا الذي كرّمت عليّ ) ، أو على تعلق الغير بمحبوبه كغيرة الملائكة على دعوى محبة آدم - عليه السلام - للّه تعالى ، حيث قالوا : ( وما للتراب ، وربّ الأرباب ) . وبداية هذه الغيرة أن يغار المحبّ على محبّة غير نفسه لمحبوبه طمعا في تفرّده بوصله ومحبّته ، وقول الشاعر : ( أغار عليها من فم المتكلّم ) نتيجة هذه الغيرة ونهايتها أن يغار على محبّته أيضا نظر إلى حقارة نفسه وعظمة محبوبه ، وقول الناظم : ( أغار عليها أن أهيم بحبّها ) إشارة إلى هذه الغيرة ، وكذا قول القائل : ودع عنك ذكري باللّسان فإنني * أغار من اسمي أن يقبّل فاكا وأمّا غيرة المحبوب ، فإمّا على تعلق محبّه بالغير ، كغيرة اللّه تعالى على تجلّي ذاته لغيره ، ولذلك احتجب بسبعين ألف حجاب ، ولمّا كانت الغيرة من لوازم المحبّة ، ومحبّة اللّه ذاتية أزلية مقدمة لتقدم يحبهم على يحبونه ، كانت غيرة اللّه تعالى أشدّ وأتمّ كما ثبت بالنص الصريح أن ( سعد الغيور ، وأنا أغير منه ) ، واللّه أغير منّا ، ولما لم تحب ذاته إذا لم يحبه أحد إلّا يحب لنفسه ، قال الناظم - رحمه اللّه - : ( وأعرف مقداري فأنكر غيرتي ) ، أي : أعلم أن محبتها فوق مقداري ، وليس لي من ذاتي هذا الوصف بل انعكس في مرآة قلبي صورة محبّتها لنفسها فظهرت فيّ ، وهي في الحقيقة لها ، فأنكر غيرتي على محبتي لها ، لهذا المعنى . فأما غيرة المحبة ، فهي على تعلق المحبّ بمحبوب خارج عن المحبّة ، وهذه الغيرة في مقام تجريد المحبة عن ملابس الكثرة وانصرافها عم جهة الاعتبارات الخارجية ، فيكون المحبّ والمحبة والمحبوب شيئا واحدا كما مرّ ؛ لأن المحب الخارجي يعني أولا في محبوبه الخارجي ، يعني ثانيا في وحدة المحبّة ، فما يبقى من